جلال الدين السيوطي

329

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

الله تعالى مالا وولدا وأوسع عليه فله من الشياه والبقر والغنم والإبل وان عدو الله إبليس قيل له هل تقدر ان تفتن أيوب قال رب ان أيوب أصبح في دنيا من مال وولد فلا يستطيع الا شكرك فسلطني على ماله وولده فسترى كيف يطيعني ويعصيك فسلط على ماله وولده فكان يأتي الماشية من ماله من الغنم فيحرقها بالنيران ثم يأتي أيوب وهو يصلى متشبها براعي الغنم فيقول يا أيوب تصلى لربك ما ترك الله لك من ماشيتك شيئا من الغنم الا أحرقها بالنيران وكنت ناحية فجئت لأخبرك فيقول أيوب اللهم أنت أعطيت وأنت أخذت مهما يبق شئ أحمدك على حسن بلائك فلا يقدر منه على شئ مما يريد ثم يأتي ماشيته من البقر فيحرقها بالنيران ثم يأتي أيوب فيقول له ذلك ويرد عليه أيوب مثل ذلك وكذلك فعل بالإبل حتى ما ترك له ماشية حتى هدم البيت على ولده فقال يا أيوب أرسل الله على ولدك من هدم عليهم البيوت حتى يهلكوا فيقول أيوب مثل ذلك وقال رب هذا حين أحسنت إلى الاحسان كله قد كنت قبل اليوم يشغلني حب المال بالنهار ويشغلني حب الولد بالليل شفقة عليهم فالآن أفرغ سمعي لك وبصرى وليلى ونهاري بالذكر والحمد والتقديس والتهليل فينصرف عدو الله من عنده ولم يصب منه شيئا مما يريد ثم إن الله تعالى قال كيف رأيت أيوب قال إبليس ان أيوب قد علم انك سترد عليه ماله وولده ولكن سلطني على جسده فان أصابه الضر فيه أطاعني وعصاك فسلط على جسده فاتاه فنفخ فيه نفخة اقرح من لدن قرنه إلى قدمه فأصابه البلاء بعد البلاء حتى حمل فوضع على مزبلة كناسة لبني إسرائيل فلم يبقى له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقربه غير رحمة صبرت عليه تصدق عليه وتأتيه بطعام وتحمد الله معه إذ حمده وأيوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله والتحميد والثناء على الله والصبر على ما ابتلاه الله فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرضين جزعا من صبر أيوب فاجتمعوا إليه وقالوا له اجتمعنا إليك ما أحزنك ما أعياك قال أعياني هذا العبد الذي سألت ربى ان يسلطني على ماله وولده فلم أدع له مالا ولا ولدا فلم يزد بذلك الا صبرا وثناء على الله تعالى وتحميدا له ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل لا تقربه الا امرأته فقد افتضحت بربي فاستعنت بكم لتعينوني عليه فقالوا له أين مكرك أين علمك الذي أهلكت به من مضى قال بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا على قالوا نشير عليك أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة من أين أتيته قال من قبل امرأته قالوا فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع ان يعصيها وليس أحد يقربه غيرها قال أصبتم فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق فتمثل لها في صورة رجل فقال أين بعلك يا أمة الله قالت ها هو ذاك يحك قروحه ويتردد الدود في جسده فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع فوضع في صدرها فوسوس إليها فذكرها ما كانت فيه من النعم والمال والدواب وذكرها جمل أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر وان ذلك لا ينقطع عنهم أبدا فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة فقال ليذبح هذا إلى أيوب ويبرأ فجاءت تصرخ يا أيوب يا أيوب حتى متى يعذبك ربك الا يرحمك أين المال أين الشباب أين الولد أين الصديق أين لونك الحسن الذي بلى وتلدد فيه الدواب اذبح هذه السخلة واسترح قال أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك فوجد فيك رفقا فأجبته ويلك أرأيت ما تبكين عليه مما تذكرين مما كنا فيه من المال والولد والصحة والشباب من أعطانيه قال الله قال فكم متعنا قالت ثمانين سنة قال فمذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء الذي ابتلانا به قالت سبع سنين وأشهرا قال ويلك والله ما عدلت ولا انصعت ربك الا صبرت حتى نكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربنا ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة حيث أمرتيني ان أذبح لغير الله طعامك وشرابك الذي أتيتيني به على حرام لن أذوق شيئا مما تأتى به بعد إذ قلت لي هذا فاعزبي عنى فلا أراك فطردها فذهبت فقال الشيطان هذا قد وطن نفسه ثمانين سنة على هذا البلاء الذي هو فيه فباء بالغلبة ورفضه ونظر إلى أيوب قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق ومر به رجلان وهو على تلك الحال ولا والله ما على ظهر الأرض يومئذ أكرم على الله من أيوب فقال أحد لرجلين لصاحبه لو كان الله في هذا حاجة ما بلغ به هذا فلم يسمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه الكلمة فقال رب مسني الضر ثم رد ذلك إلى الله فقال وأنت أرحم الراحمين فقيل له اركض برجلك هذا مغتسل بارد فركض برجله فنبعت عين ماء فاغتسل منها فلم يبق من دائه شئ ظاهر الا سقط فاذهب الله كل ألم وكل سقم وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان ثم ضرب برجله